أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

31

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ب - الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف : كلمة لا بد منها : جاء في كتاب « الاقتراح » للسيوطي : وأما كلامه صلّى اللّه عليه وسلّم فيستدل منه بما ثبت أنّه قاله على اللفظ المروي ، وذلك نادر جدا ، إنّما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضا فإنّ غالب الأحاديث مروي بالمعني وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها ، فرووها بما أدت إليه عباراتهم فزادوا ونقصوا ، وقدموا وأخروا وأبدلوا ألفاظا بألفاظ ، ولهذا نرى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويا على أوجه شتى ، بعبارات مختلفة ، ومن ثم أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث . قال أبو حيان في شرح التسهيل : قد أكثر هذا المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب وما رأيت أحدا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره ، على أنّ الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء ، وعيسى بن عمرو ، والخليل ، وسيبويه ، من أئمة البصريين والكسائي ، والفراء ، وعلي بن مبارك الأحمر ، وهشام الضرير ، من أئمة الكوفيين لم يفعلوا ذلك وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين ، وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد وأهل الأندلس ، وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال : إنما ترك العلماء ذلك لعدم وثوقهم أنّ ذلك لفظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية وإنما كان ذلك لأمرين : أحدهما : أنّ الرواة جوزوا النقل بالمعنى فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلّى اللّه عليه وسلّم لم تنقل بتلك الألفاظ جميعها نحو ما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « زوجتكها بما معك من القرآن » ، « ملكتكها بما معك » ، « خذها بما معك » وغير ذلك من الألفاظ الواردة في هذه القصة فنعلم يقينا أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يلفظ جميع هذه الألفاظ ، بل لا نجزم أنّه قال بعضها إذ يحتمل أنّه قال لفظا مرادفا لهذه الألفاظ غيرها فأتت الرواة بالمرادف ولم تأت بلفظه إذ المعنى هو المطلوب ، ولا سيما مع تقادم السماع ، وعدم ضبطه بالكتابة والإتكال على الحفظ ، والضابط منهم من ضبط المعنى ، وأما ضبط اللفظ فبعيد جدا لا سيما في الأحاديث الطوال ، وقد قال سفيان الثوري : « إن قلت لكم إنّي أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى » ، ومن نظر في الحديث أو في نظر علم علم اليقين أنّهم يروون المعنى . الأمر الثاني : أنّه وقع اللحن كثيرا فيما روى من الحديث لأنّ كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو ، فوقع اللحن في كلامهم وهم لا يعلمون ذلك وقد وقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب ، ونعلم قطعا من غير شك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أفصح الناس فلم يكن ليتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها ، وإذا تكلم بلغة غير لغته فإنّما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز ، وتعليم اللّه ذلك له من غير معلم « 1 » . فيفهم من كلام السيوطي أنّ فريقا من العلماء أجاز الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف ومنهم ابن مالك . وعلى شاكله ابن مالك من جواز الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف كان « السمين الحلبي » في كتابه « الدر المصون » ومن أمثلة ذلك :

--> ( 1 ) انظر الاقتراح للسيوطي تحقيق د . أحمد قاسم 52 ، 53 .